ابن الجوزي

316

صيد الخاطر

الكليات . ومن قدح في البعث فقد بالغ في القدح في الحكمة . ومن قال : الروح عرض ، فقد جحد البعث لأن العرض لا يبقى والأجساد تصير ترابا ، فان وجد شيء فهو ابتداء خلق . كلا واللّه ، بل يعيد النفس بعينها بدليل إعادة مذكوراتها « قال قائل منهم إني كان لي قرين » . وعزته ان لطفه في البداية دليل على النهاية . حنن الوالدين ، وأجرى اللبن في الثدي ، وأنشأ الأطعمة ، وأطلع العقل على العواقب . أفيحسن أن يقال بعد هذا التدبير ، أنه يهمل بعد الموت فلا يبعث ! أترى من أحب أن يعرف فأنشأ الخلق وقال : « كنت كنزا لا أعرف فأحببت أن أعرف » يؤثر أن يعدمهم فيجهل قدره . سبحان من أعمى أكثر القلوب عن معرفته . 274 - دلائل التوحيد سبحان من ظهر لخلقه حتى لم يبق خفاء ، ثم خفي حتى كأنه لا ظهور . أي ظهور أجلى من هذه المصنوعات التي تنطق كلها بأن لي صانعا صنعني ورتبني على قانون الحكمة . خصوصا هذا الآدمي الذي أنشأه من قطرة ، وبناه على أعجب فطرة « 1 » ورزقه الفهم والذهن واليقظة والعلم ، وبسط له المهاد ، وأجرى له الماء والريح ، وأنبت له الزرع ، ورفع له من فوقه السماء فأوقد له مصباح الشمس بالنهار ، وجاء بالظلمة ليسكن ، إلى غير ذلك ، مما لا يخفى . وكله ينطق بصوت فصيح يدل على خالقه . وقد تجلى الخالق سبحانه بهذه الافعال فلا خفاء . ثم بعث الرسل فقراء من الدنيا ، ضعاف الأبدان ، فقهر بهم الجبابرة ، وأظهر على أيديهم من المعجزات ما لا يدخل تحت مقدور بشر . وكل ذلك ينطق ، وقد تجلى سبحانه بذلك . ثم يأتي موسى عليه السلام إلى البحر فينفرق فلا يبقى شك في أن الخالق فعل هذا . ويكلم عيسى عليه السلام الميت فيقوم . ويبعث طيرا أبابيل تحفظ بيته فيهلك قاصديه . وهذا أمر يطول ذكره كله . يدل على أن تجلي الخالق سبحانه بغير خفاء . فإذا ثبت عند العقول ذلك من غير ارتياب ولا شك ، جاءت أشياء كأنها

--> ( 1 ) من درس علم الغريزة « الفسيولوجيا » واطلع على تركيب الجسم ووظائف أعضائه ازداد باللّه ايمانا « وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ » .